أحلام.. من أجل البشرية
- أحلام.. من أجل البشرية - 2026-08-12
- رحيل المبدع الدكتور أحمد عبدالملك - 2026-01-26
عبر الأطلسي جاءني صوته ساخرًا، ذلك الصوت الذي تعوّدتُ عليه -رغم العتمة وبُعد المسافة- كنت ومازلت أعتقد أن السخرية درجةٌ من درجات الذكاء، والساخرون هم القادرون على تلوين الحياة حسب رؤاهم .. قلت له بصورة شبه جادة: إنني أحلم هذه الأيام بعالم جديد، لا تسكنُه الكراهية ويعيشُ فيه الناسُ بمحبة وتعايش، قال لي ضاحكًا: “احلم زي ما أنت عايز.. لكن كن على ثقة أن شيئًا لن يتغير” .
بعد أن أغلقتُ الهاتف بدأت أتساءل بيني وبين نفسي، هل نُواصل التفاؤل أم نغوص في بحار الحيرة والتيه؟ .. هل ننظرُ إلى الواقع كما هو كائن أم كما يجب أن يكون؟ .. هل ثمة أمل أن نعيشَ حياة رغدة ملؤها الأمن والاستقرار، أم أن الرياح الهمجية واتساع الكراهية يُمكن أن تُبدّد كل شيء لتعيدَنا من جديد إلى عصور الاقتتال والخوف والتوجس من الآتي؟.. هل الصراع حول الموارد وحرب الأفكار ستكون هي العنوان أم أن التسامُح والتعايش والقبول المُشترك يُمكن أن تظلل حياتَنا من جديد، لننعم بشيء من الدفء الإنساني والتلاحم الحضاري والقدرة على اكتشاف الآخر والاقتراب منه والتلاحم معه؟ بت في الآونة الأخيرة أحلم وأنا مفتوحُ العينين، مستيقظُ الذهن، مشدودُ الحواس.. أحلم بعالم لا تسكنُه الكراهية، وبأطفال أصحاء، وبملاعب خضراء، وبمصانع شامخة تعملُ لخير الإنسان، كما أحلم بجامعات حديثة ومستشفيات متطورة وشوارع تسكنها النظافة، وبتأمينات صحية واجتماعية تحمي كرامة الإنسان وآدميته.. وأحلم بانتهاء عذابات الإنسان المُعاصر وانبلاج فجر جديد يغيب عن سمائه العنفُ وتنتصرُ العدالة ويعيش فيه الإنسان بمحبة وتسامُح وسلام.
هذه الصورة “اليوتوبية” تلاحقني بإلحاح حتى إنني تخيلتُ نشرات الأخبار ومانشتات الصحف خالية من أخبار الموت والدمار والقتل، وأن نقرأ أخبارًا مُفرحة واكتشافات مُذهلة تسهم في تحقيق السعادة المفقودة وتسترجعُ الفرح المسروق من عيون الرجال والنساء والأطفال البائسين هنا وهناك.
إمعانًا في الحلم الذي يبلغ مرحلة الجريمة، تخيلتُ وأنا مفتوح العينين إعلان المنظمة الأممية عن بدء عصر السلام والمحبة والتعاون، وانتهاء جميع أشكال العُدوان المسلح واختفاء النزاعات الدموية وتلاشي الفقر، والانتصار للديمقراطية، وقيام حكومة دولية تدير شؤون العالم بالعدل والمساواة، وتملك قوة الإلهام والتحريض على الإبداع أكثر مما تملك من وسائل القهر والدمار، حكومة تعلّم شعوب العالم معنى الحب بمعانيه الواسعة الجميلة الرائعة.
واصلتُ الحلم وأنا أستمع لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) تُعلن انتهاء عصر الجوع وبَدء مرحلة الوفرة حيث لا جياع ولا عطشى ولا محرومون من وسائل الحياة الكريمة.. ومنظمة الصحة العالمية (WHO) وهي تبلغنا النبأ السار بالقضاء على الأمراض التي تُهدد البشرية وتبشرنا بتحصين أطفال العالم من الأوبئة المكتسب منها والموروث، وأن تنشر منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم -اليونيسكو- “منفستو” بالقضاء على الأمية وتحديث المدارس والجامعات والانتهاء من مشروع زراعة الحب في عقول الناس عوضًا عن الكراهية.
هل هذا يكفي أم أتطلع إلى أن تقول لنا وكالة الطاقة الذرية: إن كافة استخدامات الذرة ستُوظف فقط فيما يخدم مصالح الإنسان لتوفير الطاقة وتحلية المياه والعلاج، وأن تُعلن المفوضية السامية لشؤون اللاجئين إغلاق كافة معسكرات اللجوء وتأمين العودة الطوعية لجميع اللاجئين إلى بلدانهم الأصلية.
أعتقد أنَّ الملايين من البشر يشاركونني هذه الأحلام التي تُجسد التَّوق الإنساني لعالم بلا كراهية وبلا عنف وبلا حروب، عالم يحلم أطفاله بطائرات ورقية تحلق في السماء بلا خوف، ونساؤه بمستقبل يؤمن أمومتهن ورجالُه بغد يرحمُ فيهم الشيخوخة.. دعونا نتشارك هذه الأحلام ونعمل من أجلها.. فالحياةُ بلا أحلام قاحلة ومُجدبة.. عندما يكون الحلم من أجل البشرية يبدو الأفق متوهجًا ومضيئًا ورائعًا، فنحن شركاء في الأفراح والأحزان ومن حقنا أن نحلم، ونحن على يقين أن هناك من لا يشاركوننا في هذا العالم هذه الأحلام!
رؤية متعمقة في خريطة الأحداث في الراهن والمُستقبل تثير الحيرة والخوف والدهشة، فمساحة الكراهية في اتساع ومساحة العنف في ازدياد، وقلق الخوف وعدم الاستقرار يسكن الجميع، كما أن مخاطر الآتي تطرُد الأمل من العيون المُتعلقة بالرجاء.. المطلوب ليس زيادة رقعة الكراهية وإنما زراعة مفاهيم وقيم جديدة في قلوب وعقول الناس، فالكراهية لا تَبني ولا تُعمر ولكنها تُدمّر كل ما هو قائم وكل ما هو كائن في صدور الناس وواقعهم.. حتى تنتصر حرب الأفكار من أجل خير البشرية يجب أن نعلّم أطفالنا منذ البدء أن الحياة تجربة جديرة أن تُعاش، وأن الإنسان مُطالب بأن يشكل إضافة لمحيطه ومُجتمعه لا أن يكون عالة أو رقمًا في طابور طويل من العاطلين فكريًا الذين ينتظرون السماء أن تمطر عليهم “المَن والسلوى” !.
أكاد أرى ابتسامة صديقي “عبر الأطلسي” تتسع، ولكنني أعيد التأكيد أن الهزيمة التي مُني بها الجميع هي هزيمة العقول والقلوب، فالعقولُ عندما تعجز عن الانتصار على الأفكار الفاجعة تتمدَّد الكوارث في حياتنا، والقلوب عندما تعجز عن الانتصار للحب والرحمة والتسامح تتمدد الكراهية مثل أفعى رقطاء في ليل بهيم.. نحن كبشر لن ننتصر إلا إذا انتصرنا في حرب الأفكار التي تنفع البشر جميعًا.. وأدعو صديقي -وهو نابِهٌ وذكيّ- أن يسهم معنا في طرح أفكار تزرع الخير، وسنواصل الأحلام من أجلنا ومن أجل الجميع.. والله المُستعان.
**جريدة “الراية”



