التسامح… سموّ الإنسانية وارتقاء النفس

- التسامح… سموّ الإنسانية وارتقاء النفس - 2026-11-05
- نادي الجسرة يناقش رواية “قبل أن يبتلعنا الطين” - 2026-11-02
- بالصور.. توزيع مجلة “الجسرة الثقافية” في معرض الجزيرة الأول للكتاب بمصر - 2026-10-31
الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني
قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: 13].
ما أعظم أن يمتلك الإنسان قلباً يتّسع للعفو، وروحاً ترى في الإصلاح فرصةً للحياة، وفي الاختلاف باباً للفهم، وفي الرحمة قوةً قادرة على تغيير ما تعجز عنه الخصومة! فالتسامح ليس نسياناً للألم، بل قدرة على تجاوزه، وليس تنازلاً عن الكرامة، بل ارتقاء بالنفس فوق رغبة الانتقام، وإيمان بأن ما يجمع البشر من إنسانية أكبر مما يفرّقهم من اختلاف.
وقد أشار المفكر والمؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون، في كتابه حضارة العرب، إلى أثر الحضارة الإسلامية في أوروبا، مشيدًا بقيمة التسامح التي وصفها بأنها من أثمن صفات الإنسان. فالحضارات العظيمة لا تُقاس بقوتها وإنجازاتها وحدها، بل بما تغرسه من عدل ورحمة، وما تفتحه من أبواب للتعايش والاحترام.
وقال أمير الشعراء أحمد شوقي:
«تسامح النفس معنى من مروءتها
بل المروءة في أسمى معانيها
تخلق الصفح تسعد في الحياة به
فالنفس يسعدها خلق ويشقيها»
وقال أبو حيان التوحيدي: «من عاشر الناس بالمسامحة، دام استمتاعه بهم»، كما يُنسب إلى الأديب الروسي ليو تولستوي قوله: «عظمة الرجال تقاس بمدى استعدادهم للعفو والتسامح عن الذين أساؤوا إليهم».
إن التسامح يحرّر القلب من أثقال الضغينة، ويمنح الإنسان فرصةً ليبدأ من جديد. وهو لا يعني قبول الظلم أو التفريط في الحقوق، بل اختيار الإصلاح حين يكون ممكنًا، ووضع الحدود العادلة حين يلزم؛ فالعفو الحقيقي يحفظ الكرامة، ويمنح العلاقات فرصةً للتعافي، ويصون المجتمع من أن تتحول الخلافات إلى عداوات دائمة.
وفي اليوم الدولي للتسامح، الذي يوافق السادس عشر من نوفمبر، تتجدد الدعوة إلى احترام الاختلاف ونبذ التعصب. وتتجلى هذه القيم في دولة قطر من خلال جهود مركز الدوحة الدولي لحوار الأديان لتعزيز التفاهم والتعايش بين الثقافات والأديان، إلى جانب المبادرات المجتمعية التي تغرس قيم السلام والحوار لدى الشباب، ومنها حملة «نهضة وطن» التي أطلقها مركز الدانة للفتيات.
فالتسامح الذي يبني الإنسان هو نفسه الذي يعزز الانتماء؛ إذ يشعر المرء بقيمة وطنه حين يجد فيه الاحترام والعدل، ويتعلم أن اختلاف الآراء لا ينتقص من وحدة المجتمع، بل يمكن أن يثريه حين تحكمه المسؤولية والاحترام.
فلنجعل كل يوم فرصةً للتسامح والتصالح، ولنجعل الحوار سبيلاً للتقارب، والعفو باباً للإصلاح، والانتماء مسؤوليةً تُترجم إلى سلوك. فالعالم يتغير حين تتحول القيم من كلمات نرددها إلى أفعالٍ نعيشها.
فروعة الإنسان ليست بما يملك، بل بما يمنح من خير ورحمة؛ وما أجمل أن يكون كالمطر، حيثما وقع نفع.
** المصدر: جريدة”الشرق”



