المشافي في الحضارة الإسلامية

كانت المشافي قديمًا تسمى، البيمارستانات (Al – Bimarista) وهي كلمة ذات أصول فارسية، تعني دار المريض، كانت تقوم بأعمال المشافي العامة؛ فتعالج الأمراض المختلفة، وفيها يقول تقي الدين المَقريزي: «إنَّ أول بيمارستان قام في العالم الإسلامي كان في مدينة دمشق، بأمر من الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، عام 88ه، وإن هذا الخليفة وظف فيه الأطباء وأجرى عليهم الأرزاق. كما أمر بحبس المجذومين فيه لئلا يخرجوا، وأجرى عليهم وعلى العميان والمُقعدين الأرزاق». وفي ذلك يروي الطبري، في تاريخه: «أن الوليد أعطى لكل مُقْعَدٍ خادمًا، ولكل ضريرٍ قائدًا».
ومن الراسخ تاريخيًا أنَّ أول بيمارستان أُنشئ في الشرق الأوسط كان في جُنْدَيْسَابُور في بلاد فارس، ويعود تأسيسه إلى أوائل القرن الرابع للميلاد. أثناء حكم الدولة العباسية، وقد تولى الإشراف عليه الأطباء النساطِرة، ومنهم آل بَخْتَيْشُوع.
وعُرِف في الحضارة الإسلامية نوعان من البيمارستانات، هما: بيمارستانات ثابتة لا يمكن نقلها، وبيمارستانات متنقلة يمكن نقلها في حالة الحروب والنزاعات المسلحة، أو عند تفشي الأمراض والأوبئة، أو لمعالجة المسجونين.
كما اعتنت الحضارة الإسلامية بالمشافي اعتناءً كبيرًا، ومن أوجه هذه العناية، إنشاء الصيدلية (خزانة الشراب أو الشرابخانة) في كل بيمارستان، وكانت تضم في جنباتها خزائن للكتب، تحوي عددًا من الكتب الخاصة بعلم الطب والتداوي، و»مما يحتاج إليها الأطباء، لتكون مراجع لهم، أو لتكون كتبًا تدريسية يعتمدون عليها في تدريس طلاب الطب في البيمارستان». وكان الأطباء في تلك البيمارستانات يعقدون المداولات العلمية بينهم، ويروي المؤرخون «أنَّ بيمارستان ابن طولون في فسطاط مصر كان يضم في خزانته ما يزيد على مئة ألف مجلَّدٍ في كل العلوم». كذلك، كانت تمتاز البيمارستانات الكبيرة باحتوائها على حمامات خاصة بالنساء وأخرى خاصة بالرجال. وذلك بهدف تنظيف المرضى وإزالة أي جراثيم قد تؤثر في صحتهم أو تؤثر في الجروح التي قد تتطلبها العمليات، أو تؤثر في بيئة البيمارستان عمومًا.
اشْتُهر عدد من البيمارستانات في الحضارة الإسلامية، نحو: البيمارستان العتيق والبيمارستان الصلاحي في مصر، وبيمارستان الرشيد في بغداد، والبيمارستان النوري الكبير في دمشق.
إن ظهور البيمارستانات في الحضارة الإسلامية دليل على إنسانيتها وتقدّمها وتطورها وهذا يجعلنا نشعر بالفخر والزهو. وهذا يقودنا إلى القول: إن الحضارة الإسلامية ستبقى مصدر إلهام للتطبيب والمداواة، كونها صاحبة الريادة في ذلك، وأن كل من جاء بعدها نهل من علمها وطبها.

** جريدة”العرب”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى