بيني وبينك .. في مَدِيح الأولياء

بعيدونَ عن الخوْف والحُزن، اللّذَين لا ينجو منهما بَشَر: «ألا إنّ أولياءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون». مُخبِتونَ كأنّما قَطعوا حَظّهم من الدُّنيا فقطعوا الحظّ من النّاس، وهل الدُّنيا إلاّ النّاس؟! زَهِدوا في نصيبهم من اللُّعاعات لكي يَعظُمَ نصيبُهم من الباقيات. عرفوا قيمة الأشياء، فأيقنوا تمام اليقين أنّ الدُّنيا لا تُساوي عند الله جناحَ بعوضة.
والوليّ: النّاصر والمُعين. والوليّ: الصّاحب والحبيب. والوليّ: الصّديق والرفيق. والوليّ: القائم بالأمر والمُتصرِّف فيه، كما في قولك: «والله وليّ ذلك». والوليّ: الحاكم والأمير. والوليّ: الصّهر. والوليّ: التّابع. والوليّ: المطر بعدَ المطر. والوليّ الّذي هو غايةُ هذه المقالة: إنّما هو العارف بالله وصفاته، المُقيم على طاعته، الخائف من معصيته، اللائذ بكَنَفه، الحَيِيُّ منه، المُستقيم في سَيره، العاصي لهَوى نفسِه كما يعصي الشّيطان، قال تعالى: «وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى». وقال البوصيريّ:
وخالفِ النفسَّ والشَّيطانَ وَاعْصِهما
وإنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصحَ فاتَّهمِ
والأولياء خُبراء بالله: «الرّحمن فاسأل به خبيرًا». ولِذا فإنّ معرفتهم الحقّة باللّه فاضتْ على وجوههم نورًا، وعلى قلوبهم طمأنينة، وعلى عقولهم حِكمة، وعلى أرواحهم سكينة، وعلى نفوسهم أسرارًا. فتعجبُ لفعالهم المُفارقة لِفَعال البشر، وقد تأسى لحالهم وتحزن، وما أحدٌ أحقّ بالأسى والحُزن منّا!
والأولياء في ذمّة الله أنّى ساروا أو قاموا أو ناموا: «إنّ ولِيِّيَ اللهُ الّذي نَزّل الكتاب وهو يتولّى الصّالحين». وإنّ مَنْ تولاّه الله حازَ الخير كُلّه، دَعْكَ مِمّا ترى من حالِه، فإنّما تنظر إليه بعينِ الدُّنيا، ولو كان لكَ قلبٌ فنظرتَ به إلى حالِه لعرفْتَ أنّه الفائز في قطيعٍ من الخاسرين يلبسون أحسنَ الثّياب ويأكلون أحسن الطّعام ويجلسون على الكراسيّ، ولكنّهم لا وليّ لهم إلا ّأنفسهم أو الشّيطان، فما نالوا من الخير شيئًا، وما آبوا إلاّ بِعَرضٍ مُعجِب: «يا ليتَ لنا مثلَ ما أوتي قارون إنّه لذو حظٍّ عظيم». ولكنّه عَرَضٌ زائل، وغِنًى حائل، وبدرٌآفِل.
ولا بُدّ للمرء من وليّ. فإنْ لم تكنْ من أولياء الله كُنْتَ من أولياءِ سواه، وما دُونه دون. لا ينفعُ ولا يضرّ، ولا يُقدّم ولا يُؤخّر، ولمّا فهم أولياء الله ذلك استهانوا بالمناصبِ فلم تُغرِهم، وسَخروا من بطشِ الجبّارين فلم يُخِفْهم، فلذا لم يحزنوا لفوات الأولى، ولم يخافوا لحلول الثّانية: «الله وليّ الّذين آمنوا». وفي المُقابل: «والّذين كفروا أولياؤهم الطّاغوت». وكانَ اللهُ واحِدًا فقال: (وليّ)، وكان الطّاغوت مُتعدّدًا متشعبًّا له في كلّ زمانٍ شكلٌ وصورة، فجمع فقال: «أولياؤهم».
نالوا المحبّة بالقُربى وأصدقهم مَنْ كان ينزلُ فيه كِلْمةُ الله، خالين من دَرَنٍ صافين من ضَغَنٍ. مِن كلّ ساعٍ إلى الرّحمن أوّاهِ. قال حسّان:
هُمُ أولياءُ الله أنزلَ حُكْمَه
عَلَيْهِم، وَفِيْهم، والكِتابُ المُطهّرُ
otoom72_poet@yahoo.com
AymanOtoom@

** جريدة “الراية” 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى