محطات.. حين يصنع التعليم إنسانًا تصنع المعرفة أمة
- محطات.. حين يصنع التعليم إنسانًا تصنع المعرفة أمة - 2026-09-27
الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني
«التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم».. نيلسون مانديلا
منذ أن خطّ الإنسان أول حرف في دفتر الوجود، لم تكن المعرفة ترفا، بل كانت طريقا للخروج من ظلمات الجهل إلى رحابة الوعي. فالتعليم ليس معلومات تُحفظ وتنتهي بانتهاء الامتحان، بل رحلة تتشكل فيها العقول، وتنضج الشخصيات، وتتسع الرؤية، ويكتشف الإنسان قدرته على فهم ذاته والعالم من حوله.
وقد اختصر القرآن الكريم مكانة العلم في قوله الله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، لتبقى المعرفة قيمة ترتقي بالإنسان وتفتح أمامه أبوابًا جديدة للحياة.
ولعل أعظم ما يمنحه التعليم ليس كثرة الإجابات، بل القدرة على طرح السؤال، والبحث، والنقد، والتفكير خارج حدود المألوف. فهو لا يعلّم الإنسان ماذا يفكر فقط، بل كيف يفكر، وكيف يحوّل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى عمل.
وحين يتعلم الإنسان قراءة كلمة وكتابة فكرة، تتسع أمامه الحياة؛ يصبح أكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة، وفهم واقعه، والتعبير عن نفسه، والمشاركة في مجتمعه. ومن هنا يبدأ التغيير الحقيقي: حين ينتقل الإنسان من متلق للمعرفة إلى شريك في صناعة مستقبله.
وحين نتأمل أثر التعليم في المجتمعات، نراه أشبه بنهر يبدأ من عقل فرد، ثم يمتد إلى أسرته ومجتمعه، حتى يتحول إلى قوة تتناقلها الأجيال. ولهذا لم تكن نهضة الأمم منفصلة يوما عن نهضة عقولها؛ فبالتعليم تُواجه المجتمعات الجهل والفقر والتخلف، وتتقدم العلوم، وتزدهر الثقافة، وتُبنى الاقتصادات.
وفي قطر، أصبحت هذه الفكرة جزءا من مسيرة وطنية واضحة؛ فقد جعلت رؤية قطر الوطنية 2030 التنمية البشرية إحدى ركائزها، وواصلت الدولة تطوير منظومة التعليم والبحث والابتكار، إيمانا بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان. وتجسدت هذه الرؤية في مؤسسات ومبادرات تعليمية جعلت من المعرفة محركا للتنمية وبناء المستقبل. وقد أدرك الفلاسفة هذه الحقيقة منذ قرون؛ فرأى أفلاطون في التعليم خروجا من كهف الجهل إلى نور الحقيقة، وربطه أرسطو ببناء العقل والشخصية، بينما أكد ابن خلدون علاقته بنهوض العمران. ثم جاء الفكر الحديث ليجعل التعلم تجربة قائمة على التفكير والتجربة والاكتشاف.
غير أن العلم وحده لا يصنع حضارة ما لم يتحول إلى وعي، والوعي لا يكتمل ما لم يتحول إلى عمل. وهنا ندرك أن التعليم ليس ما نضعه في عقولنا، بل ما نوقظه فيها، وما نتركه بعدنا في العالم.
ولعل أصدق ما يختصر قيمة هذه الرحلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهل الله له به طريقا إلى الجنة».
فحين يصنع التعليم إنسانا واعيا، تصنع المعرفة أمة قادرة على النهوض؛ لأن مستقبل الأوطان يبدأ من عقل تعلّم كيف يفكر، وإنسان عرف أن علمه مسؤولية تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه.
** جريدة” الشرق”



