محطات.. حين يصنع المعلم إنسانا تنهض الأمة

 

           الشيخة الدكتورة لولوة آل ثاني

«قُمْ لِلْمُعَلِّمِ وَفِّهِ التَّبْجِيلَا… كَادَ الْمُعَلِّمُ أَنْ يَكُونَ رَسُولَا»

استكمالا لهذه الرحلة، نتوقف عند ذلك الإنسان الذي يقف خلف كل علم يصل إلى عقل الإنسان، وكل قيمة تستقر في وجدانه، وكل جيل يتعلم كيف يصنع مستقبله. وهنا أدركت أن المعلم ليس فصلًا من فصول التعليم، بل هو قلب الحكاية ومحركها.
لقد أدرك ابن خلدون هذه الحقيقة مبكرا، فأكد أن على المعلم أن يراعي في التدريس التدرج والتكرار، والإجمال في البدء ثم التفصيل، وأن يستعمل الشفقة في معاملة الأطفال أثناء تهذيبهم، ويقوي الصلة بين الأساتذة والتلاميذ كصلة الآباء بأبنائهم؛ فلا يستحق لقب معلم إلا الرجل الكامل الذي يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه عن فعل القبيح.
ولم تكن مكانة المعلم غائبة عن وعي الآباء ورجال الدولة عبر التاريخ؛ فقد جاءت وصية هارون الرشيد لمعلم ولده حافلة بمعاني التربية، حين أوصاه أن يقرئه القرآن، ويرويه الأشعار، ويعلمه السنن، وأن يغتنم كل ساعة بفائدة، من غير إفراط يميت ذهنه.
وهنا توقفت قليلا؛ فالتربية لم تكن يوما نقلا للمعلومات، وإنما كانت صناعة للإنسان.
فالله سبحانه الذي علّم عباده بالقلم، وأخرج العقول من ظلمات الجهل إلى نور العلم والمعرفة، مكّن المعلم من أن يقوِّم العقول ويهذب النفوس. فكل معلم يحمل إلى طلابه شيئا من تجربته ورؤيته، وقد تترك كلمة منه أثرا في حياة طالب لا ينساه.
والمعلم، قبل أن يكون ناقلا للمعرفة، هو قدوة تُرى وسلوك إنسان يُحتذى به، وصوت يعلّم كيف يفكر تفكيرا سليما؛ لأنه لا يصنع طالبا متعلما فحسب، بل يساهم في صناعة إنسان قادر على المشاركة والعطاء.
والمعلم رسالة إنسانية عظيمة؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».
وما أعظم أن يظل أثر الإنسان حيًا في عقول من علّمهم، حتى بعد أن يغيب جسده.
ومن هنا يبرز اهتمام دولة قطر بتطوير المعلم؛ فقد جعلت استراتيجية وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي 2024-2030، «إيقاد شعلة التعلّم»، تطوير مهنة التدريس وتعزيز مهارات المعلمين وتطورهم المهني جزءا من مسارها لبناء منظومة تعليمية عالية الجودة، وإعداد جيل قادر على الابتكار ومواجهة تحديات المستقبل. كما تتضمن برنامج «تمكّن وتميّز» لتطوير الممارسات المهنية للمعلمين، وتوفير فرص للتطور المهني المستمر.
وكلما نتأمل دور المعلم، ندرك أن هناك أشياء لا تستطيع التكنولوجيا أن تمنحها؛ فزرع التعاطف، والتسامح، والمسؤولية، وبناء الضمير، تحتاج إلى إنسان يرى الإنسان.
ولهذا يظل المعلم القوة المحركة للتقدم الحضاري، والركيزة التي تُبنى عليها العقول وتستنير بها الشعوب. ومن هنا فإن النظر إلى المعلم بوصفه موظفا مثل بقية الوظائف نظرة قاصرة؛ لأن أثره يتجاوز ساعات العمل وحدود المدرسة إلى رسم مسار الوعي، وحماية القيم، وبناء الضمائر.

وهنا ندرك الحقيقة:

قد يبني المهندس بيتا، وقد يعالج الطبيب جسدا، لكن المعلم هو حجر الأساس في بناء الإنسان وتفجير طاقاته، وحين يُبنى الإنسان، تنهض الأمة.

**جريدة “الشرق”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى